دعوة لتحديث التشريعات اليمنية
سلسلة قانونية حديثة بعنوان
” تجارة لن تبور (1) “
التجارة بين الماضي والحاضر
عندما يمر علينا مصطلح “التجارة” يتبادر إلى أذهاننا مباشرةً عملية تبــادل الســلع والخدمات بين فئات من أفراد المجتمع بغرض تحقيق الربح، وهي وسيلة من وسائل الكسب المشروع التي تختلف طرقها ووسائلها من جيل إلى آخر بحسب ما وصلت إليه الدول من تجديد وتطور. وقد يظن البعض أن مبدأ الثقة والأمانة -الذي يُعد أصلاً في المعاملات التجارية إذ تقوم على الثقة والائتمان – ما يزال يفرض نفسه على التجارة في الحاضر ملازماً لها مهما مرّت الأزمان وتطورت المجتمعات وتجددت ثقافاتها.
إلا أن الأمر ليس كذلك، بل العكس هو الصحيح؛ فلم يعُد يُعمل بهذا المبدأ على إطلاقه في ظل التجارة الإلكترونية، إذ وضعت ضوابط وحدوداً له سنُبيّنها في قادِم المقالات.
وفي هذا المقال أود طرح موضوع التجارة الذي شغل العالم بأسره، في سباق متواصل بين الماضي والحاضر، وبكل شفافية، لعل مقالي يمس القائمين عليها ويدفعهم للوقوف – بجدية – أمام ضرورة تعديل بعض نصوص التشريعات الوطنية أو إصدار تشريعات جديدة تواكب العصر الحاضر وما وصلت إليه الدول الأخرى. فمن أراد معرفة دولةٍ ما ومجتمعها، فليس عليه إلا أن ينظر إلى ما وصلت إليه؛ فكل إناءٍ بما فيه ينضح، ومن سار على نهج الناجحين فلن يظل ولن يشقى. وسنبيّن ذلك من خلال الأوجه التالية:
الوجه الأول/ التجارة في الماضي:
كانت -ولا تزال- المعاملات التجارية في أنحاء الجمهورية اليمنية تُنظّم وفقاً لأحكام القرار الجمهوري بالقانون رقم (32) لسنة 1991م بشأن القانون التجاري وتعديلاته الصادرة في 1995م، وما يتصل به من قوانين أخرى، -على سبيل المثال لا الحصر- قانون الاستثمار وقانون الشركات التجارية وقانون الضرائب وقانون العلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية ..وغيرها، وهذه القوانين تمثل منظومة خاصة تنظم الأعمال والأنشطة التجارية بين الأفراد، وفيما بينهم وبين الشركات، وكذلك بين الشركات بعضها مع بعض، كلٌ فيما يتعلق به من أحكام، وبالتالي، فهي المرجعية الأساسية للتجار اليمنيين في السِلم وعند الخلاف، ويؤازرها في ذلك القانون المدني بوصفه قانوناً عاماً يُرجع إليه عند عدم وجود نص يحكم مسألة معينة في تلك القوانين الخاصة.
ومنذ أكثر من ثلاثة عقود من صدور آخر تشريع تجاري، نجد أن التجارة في بلادنا قد أصابها نوع من الجمود في تطبيق نصوص القوانين وإعمالها، فأصبح حالها كحال الماء الراكد الذي يفسد بسبب بقائه راكداً دون حركة محصوراً في حفرة ما. بل إن الأعمال التجارية أصبحت تُنفذ بطريقة تقليدية وعلى وتيرة واحدة، وبسياسة واحدة، بما يتناسب مع القوانين الجامدة التي تحكمها. ولهذا نجد أن العديد من المشاريع التجارية والشركات بارَت تجارتها وتراجعت جراء ذلك الجمود.
الوجه الثاني/ التجارة في الحاضر (التجارة الإلكترونية) :
لقد أخذت الأعمال التجارية مساراً رقمياً جديداً في الدول المتقدمة، وأصبح الإنترنت أداة لتنفيذها بكل سهولة ويُسر، متجاوزةً بذلك قيد الجمود. فقد نظمت العديد من الدول الأجنبية منذ العام 1991م، وبعض الدول العربية – كالمغرب ما بين العامين 2003-2005م، ومن بعدها الإمارات والأردن ومصر- تجارة الحاضر وفق قوانين تجارية حديثة بغض النظر عن مسمياتها، إلا أننا نجد أن العامل المشترك بينها هو الانترنت والتكنولوجيا.
وأصبحت أجهزة الهاتف والكمبيوتر وغيرها – بعد ربطها بالإنترنت – إحدى أدوات إبرام التصرفات القانونية إلكترونياً، وأحد عوامل التقدم، حتى طغت الأعمال التجارية الإلكترونية على الاعمال التقليدية في الماضي، فلم يعد تبادل السلع والخدمات ملموساً، بل يتم من خلف الشاشات باستخدام الإنترنت.
نظراً لذلك، لم تُبقِ تلك الدول عربية أو أجنبية قوانينها جامدة، بل أصدرت قرارات وقوانين محلية، وأبرمت اتفاقيات دولية تربط بين أعضائها، لتحقق أغراض عصرها واحتياجات أفرادها وشركاتها، فهي دول فهمت ولمست نعمة التطور التكنولوجي، ووضعت قوانين حديثة في قالب ملزم ينظم التصرفات التجارية بين أطرافها يسري داخلياً وخارجياً.
فعلى سبيل المثال في المستوى الدول الأجنبية “هناك قانون يُسمى قانون الاونسيترال النموذجي بشأن التجارة الإلكترونية الصادر في العام 1996م الذي أورد دليلاً تشريعياً وأحكاماً عامة ووضع اشتراطات قانونية لتطبيق أحكامه على رسائل البيانات، كما أن هناك العقد النموذجي الفرنسي للتجارة الإلكترونية بين التجار والمستهلكين قانون الفرنسي للتجارة الإلكترونية وغيرها”[1] ، أما على المستوى العربي، فهناك منافسة قوية في التشريعات ومواكبة التطورات التكنولوجية والتقنية، وبالأخص في المملكة المغربية ، كما عُقدت مؤتمرات وندوات علمية جمعت الباحثين والمفكرين في القانون والاقتصاد في كل من مصر والمملكة الأردنية الهاشمية وغيرها، مما أدى إلى تطور ملحوظ في تشريعات هذه الدول بدافع الحاجة المجتمعية والاقتصادية.
الوجه الثالث/ ما يُميز التجارة الإلكترونية:
يتمثل في مقدرة التاجر على القيام بالتصرفات القانونية وإبرام العقود بضغطة زر عبر الانترنت، من خلال فتح متاجر إلكترونية في تطبيقات التواصل الاجتماعي أو غيرها، وهي تقابل المحل التجاري في القانون النافذ في الجمهورية اليمنية. ويقوم التاجر الإلكتروني بعرض منتجاته وخدماته على مشتركيه أو متابعيه، وقد يستعين في بعض الأحيان بمتاجر إلكترونية أخرى.
ومن المؤكد أن هذا التعامل الإلكتروني يتم عن بُعد دون أي لقاء مباشر بين الأطراف، فيقوم كلاً منهما بتوقيع عقود إلكترونية تُنشئ التزامات عقدية فيما بينهما مادية أو معنوية، وغالباً ما يتم السداد بوسائل إلكترونية، سواءً عبر الأوراق التجارية الإلكترونية أو عبر تطبيقات مالية لتحويل بين الحسابات، وغيرها من وسائل الوفاء التي سنبيّنها في بقية هذه السلسة.
إن المشرع اليمني قد شد حزام همته وقام جاهداً، إذ أعدّ مشروع قانون التجارة الإلكترونية عام 2022م، وعرضه على المختصين – من قانونيين ومحاسبين وخبراء- لإبداء ملاحظاتهم الفنية. وهذه بدايةً مبشرة للخير وَوَددّتُ لو أنه استلهم بعض من أحكام الدول المتقدمة التي تكفي لتحريك المياه الراكدة للتجارة الراهنة في بلادنا، كأحكام قانون الاونسيترال الفرنسي، والقانون المغربي للتجارة الإلكترونية، وغيرها. فليس في الاقتداء بالمتقدّمين عيب، إنما العيب أن نظل كما نحن.
أخيراً: قد يكون ما طُرِح هنا كلاماً عاماً، لكنه مفتاح لبقية مواضيع هذه السلسلة، والتي سنُركز فيها على أهم عناوين التجارة الإلكترونية، مع لمحة بسيطة من واقع القانون الحالي، سعياً لوضع بصمة – مهما كان أثرها – في مشاريع التقنين الجديد في الجمهورية اليمنية. فسنظل نحفر في الجدار إما فتحنا ثغرةً للنور، أو متنا على وجه الجدار._ الأديب عبدالعزيز المقالح _ رحمة الله عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
بقلم: أ.صالح رشيد العريقي _ المحامي
[1] مرجع الجوانب القانونية للتجارة الإلكترونية _المجلس الأعلى للثقافة_ لجنة القانون_