الاساس القيمي والتشريعي للاقتصاد

                   (الثقة والائتمان في المعاملات التجارية في القانون اليمني)

تعتبر الثقة والائتمان في المعاملات التجارية الحديثة  حجر الزاوية.  وهي الأساس الذي تبنى عليه العلاقات الاقتصادية في أي مجتمع يسعى للاستقرار والنمو والازدهار الاقتصادي . فالتجارة لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسودها الشك وانعدام الثقة والمصداقية، بل تحتاج إلى مناخ من الشفافية والالتزام والثقة المتبادلة بين المتعاملين.

وقد أولى القانون التجاري اليمني عناية بالغة بمبدأ الثقة والائتمان، فجعل من الوفاء بالالتزامات وحسن النية في التعاملات التجارية أساسًا قانونيًا وأخلاقيًا يحكم النشاط التجاري في البلاد.

المحور الاول: مفهوم الثقة والائتمان في المجال التجاري واهميته

الثقة في معناها العام هي الاطمئنان إلى أمانة الطرف الآخر وحسن تصرفه.

أما الائتمان فهو منح الثقة المالية لشخص أو مؤسسة مقابل التزامه بالوفاء في وقت لاحق.

وفي الفقه التجاري، يُعرف الائتمان بأنه “الركيزة التي تقوم عليها المعاملات التجارية، حيث يُسلم أحد الأطراف مالاً أو بضاعة أو خدمة للطرف الآخر على أساس الثقة في قدرته ورغبته في الوفاء”.

فالفرق بين المعاملات المدنية والتجارية يكمن في عنصر السرعة والمخاطرة، الأمر الذي يجعل الثقة المتبادلة عنصرًا جوهريًا لا غنى عنه في المعاملات التجارية.

المحور الثاني: الثقة والائتمان من منظور شرعي:

الشريعة الإسلامية جعلت الأمانة والثقة من أعظم القيم التي يقوم عليها التعامل المالي.  قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا”. (النساء: 58)

وقال النبي ﷺ:”التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء.”

فالقانون اليمني، المستمد من الشريعة الإسلامية، لم يبتعد عن هذا الأصل، إذ جعل من الثقة والأمانة مبدأ تشريعيًا عامًا يحكم جميع العلاقات التجارية والمدنية.

يتضح مما سبق أن الثقة والائتمان في المعاملات التجارية ليستا مجرد قواعد أخلاقية، بل هما أساس قانوني واقتصادي ضروري لاستقرار السوق.

وقد نجح المشرّع اليمني في إرساء منظومة قانونية تحمي الائتمان وتضمن حسن النية في التعامل، سواء في العقود الورقية أو الإلكترونية، المدنية أو التجارية.

المحور الثالث: الأساس القانوني للثقة والائتمان في القانون اليمني

نظم القانون التجاري اليمني رقم (32) لسنة 1991م العديد من النصوص التي تعكس روح الثقة والائتمان في المعاملات التجارية، ومن أبرزها ما يتعلق بالكمبيالات، الشيكات، العقود التجارية، والوكالات بالعمولة وغيرها.

كما أن القانون المدني رقم (14) لسنة 2002م وضع مبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات كأساس قانوني ملزم، حيث نصت المادة (212) على أن:

“يجب تنفيذ العقد طبقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما توجبه الأمانة والثقة بين المتعاقدين.”

وهذا النص يضع مبدأ الثقة والائتمان في صميم النظام القانوني في جميع المعاملات، إذ يلزم كل متعامل او متعاقد أن يتصرف بأمانة وصدق دون غش، أو تحايل، او خداع، او تضليل.

المحور الرابع: مبدأ الثقة والائتمان في العقود التجارية

تقوم العقود التجارية على السرعة والثقة أكثر من الشكليات، بخلاف العقود المدنية التي يغلب عليها الطابع الرسمي. فالتاجر يتعامل مع عشرات الأشخاص يوميًا دون أن يتحقق تفصيليًا من ذممهم أو قدراتهم المالية، وإنما يعتمد على سمعتهم التجارية وسجلهم الائتماني.

ومن ذلك على سبيل المثال:

  1. عقود البيع التجاري بالأجل: حيث يسلّم البائع البضاعة للمشتري قبل أن يحصل على الثمن، اعتمادًا على الثقة والائتمان.
  2. الاعتماد المستندي: الذي يقوم على الثقة بين المصدر والمستورد من خلال التزام البنوك بدفع الثمن مقابل مستندات الشحن.
  3. الأوراق التجارية (الشيك، الكمبيالة، السند لأمر): فجميعها يُبنى أساسها على الثقة والائتمان، إذ تتداول بين التجار كأموال نقدية بناءً على ثقة المجتمع التجاري في التزام الموقعين عليها بالوفاء.

المحور الخامس: الإخلال بمبدأ الثقة والائتمان وآثاره القانونية

الإخلال بالثقة أو الائتمان يؤدي إلى زعزعة النظام التجاري وإضعاف الاقتصاد، وله آثار قانونية وجنائية في بعض الحالات.

ومن الامثلة على ذلك:

  • الشيك بدون رصيد يعد جريمة يعاقب عليها القانون اليمني وفق المادة (311) من قانون الجرائم والعقوبات، والتي تنص على “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات او بالغرامة من أعطى شيكاً وهو يعلم بأن ليس له مقابل …” لأنه يعد إخلالاً بمبدأ الائتمان المالي.

وفي المعاملات التجارية فقد نص المشرع في القانون التجاري في صلب  المادة(805) على انه “كل من أصدر وأثبت سوء نيته شيكاً لا يكون له مقابل وفاء قائم وقابلاً للسحب أو يكون له مقابل وفاء أقل من قيمة الشيك، وكل من استرد بسوء نية بعد إعطاء الشيك مقابل الوفاء أو بعضه بحيث أصبح الباقي لا يفي بقيمة الشيك أو أمر وهو سيء النية المسحوب عليه الشيك بعدم دفع قيمته، يعاقب بالحبس لمدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن (10%) من قيمة الشيك ” لأن هذا يعد اخلالاً بمبدأ الثقة والأمانة والتي متعارف عليها في جميع المعاملات التجارية .

  • الإفلاس بالتدليس أو التقصير، وهو من أخطر صور الإخلال بالائتمان التجاري، إذ نص القانون التجاري على عقوبات قاسية للتاجر الذي يخفي حساباته أو يتصرف بغش وتضليل في نص المادة (811) على أنه “يعتبر مفلساً بالتدليس ويعاقب بالحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات، تاجر شهر إفلاسه بحكم نهائي انه ارتكب بعد وقوفه عن الدفع أحد الاعمال الاتية: –

1-أخفى دفاتره أو أتلفها أو غيرها …… الخ.”

تؤكد هذه النصوص أن الثقة ليست مجرد التزام أخلاقي، بل هي مبدأ قانوني يحميه المشرّع ويعاقب على الإخلال به.

المحور السادس: دور البنوك والمؤسسات المالية في تعزيز الائتمان:

تُعد المصارف من أهم أدوات تعزيز الائتمان في الاقتصاد الوطني. فهي تقوم بدور الوسيط بين المودعين والمستثمرين، وتمنح القروض بناءً على تقييم الثقة الائتمانية للعميل.

ويخضع النشاط المصرفي في اليمن لإشراف البنك المركزي اليمني الذي يحدد الضوابط القانونية لتقديم الائتمان، وفق قانون البنوك، كما يفرض القانون على المؤسسات المالية اعتماد الشفافية والإفصاح لضمان سلامة المعاملات الائتمانية، ومنع عمليات الاحتيال أو غسل الأموال.

المحور السابع: الثقة في المعاملات التجارية الإلكترونية

مع تطور التكنولوجيا، أصبحت المعاملات التجارية تنتقل إلى الفضاء الرقمي، مما جعل مفهوم الثقة يأخذ بعدًا جديدًا، يتعلق بـ الثقة في الأنظمة الإلكترونية والهوية الرقمية والأمان السيبراني.

وقد أصدر المشرّع اليمني قانون المعاملات الإلكترونية رقم (40) لسنة 2006 الذي أكد على أن العقود المبرمة إلكترونيًا لها ذات الحجية القانونية للعقود الورقية، شريطة التحقق من هوية الأطراف وحسن النية في التعامل، وهذا يوسع نطاق الثقة من المستوى الشخصي إلى المستوى التقني والمؤسسي.

المحور الثامن: المسؤولية المدنية والجنائية عن الإخلال بالثقة

الإخلال بالثقة في المعاملات التجارية قد يرتب:

  • مسؤولية مدنية: تنشأ عندما يخل أحد الأطراف بالتزاماته العقدية عن سوء نية، فيكون ملزمًا بتعويض الضرر الذي أصاب الطرف الآخر.
  • مسؤولية جنائية: تنشأ في حال توافر القصد الجنائي مثل الاحتيال، خيانة الأمانة، أو إصدار شيك بدون رصيد. وهنا تنتقل المسألة من المجال التجاري إلى المجال الجزائي، حمايةً للثقة العامة في التعامل.

المحور التاسع: أهمية الائتمان في استقرار الاقتصاد الوطني

كلما زادت الثقة في التعاملات التجارية، ازدهرت حركة الاستثمار والتبادل، والعكس صحيح؛ فالأزمات المالية العالمية غالبًا ما تبدأ بانهيار الثقة بين المؤسسات.  مما يؤدي إلى تجميد الائتمان وانكماش الاقتصاد، ومن هنا فإن تعزيز الائتمان لا يتحقق فقط بالنصوص القانونية، بل يحتاج إلى ثقافة قانونية وتجارية قائمة على الالتزام بالعهود، والوفاء بالديون، وحماية سمعة التاجر أو الشركة.

                                                                                                                                                             بقلم: أ/ مراد عبده الركن- المحامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها بعلامة*

*
يلزم إضافة تعليق.
*
اسمك مطلوب.
*
بريدك الإلكتروني مطلوب.